إن المفردات ليست محايدة حتى وإن أرادت أن تكون تقنية وإجرائية ووصفية. فتعويض كلمة "معارف" بكلمة "كفايات" له مدلول خاص. فهذه الكلمة/المفهوم أخذت خارج علاقتها بالمصطلحات والمفاهيم الأخرى "العادية" وهذا لا يعني أن لها أهدافا أكثر اتساعا من "تعلمْ كيف تكون" و"تعلمْ الفعل" و"تعلم العيش معا" وتعلم كيف نتعلم". إن استعمال هذا المفهوم في المجال الاقتصادي أو في المدرسة مرتبط بالتصرف في الموارد البشرية. وبعبارة أخرى فإن هذا الاستعمال مهمته وضع المهام التقليدية للمدرسة، أي نقل المعرفة وتكوين "المثقفين" و"المفكرين" بالمعنى العريض للكلمة، موضع تساؤل. والجدير بالملاحظة أن مفهوم "كفايات" متعدد الاستعمالات الاجتماعية إذ نجده في القانون وفي اللغة وفي علم النفس العرفاني وهو ما يعزز حياده الظاهر. فهو مفهوم يمكن أن يعني حقائق متعددة وقد يتضمن "تصورا ديمقراطيا" وأحيانا أخرى يمكن أن يقود إلى تراجع حقيقي. فهذا المفهوم تقاطعي للبعض وجذاب وغريب للبعض الآخر. فـ"الكفاية" تمكن مثلا بعض الأجراء من اكتشاف ومعرفة مهارات لا تضمنها الشهائد ولا يتعرف عليها أو لا يتملكها العمال بصفة تلقائية. ويمكن أن نؤكد أن هذا المفهوم عندما يجمع بين المعرفة والتطبيق يريد أن يضع موضع تساؤل التقسيم بين النظري والتطبيقي. هذا التقسيم الذي يتأسس عليه الانتقاء المدرسي وتوزيع مواطن الشغل. فقد أثبتت الإحصائيات أن 9 متمدرسين فقط من أصل 100 يلتحقون بالتعليم العالي أي أن نسبة المحظوظين المرتقين إلى العالي لدى "الأصناف المتوسطة" والغنية تكاد تكون ضعف نسبة المرتقين المنتمين إلى الأصناف العمالية. وهو ما يؤكد الانتقاء الاجتماعي. إن الاستعمال الاستراتيجي لا يمكن فصله عن "التصرف في الموارد البشرية" الجديدة أين تلعب المدرسة دورها البدائي الأولي (مقارنة مع دور المصنع). فهذا الاستعمــال هدفه وضع الوظائف التقليدية للمدرسة (نقل المعارف، التكوين الفكري والثقافي بالمعنى الواسع للكلمة…) موضع تساؤل. لقد جاء في القانون التوجيهي (الباب السادس: في مرجعية التعلمات) أن "تؤمن المدرسة تكوين المتعلمين تكوينا متينا ومتوازنا ومتعدد الأبعاد وتساعدهم على امتلاك المعارف واكتساب الكفايات التي تؤهلهم للمشاركة الفاعلة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعلم مدى الحياة والمساهمة في إرساء مجتمع ديمقراطي قادر على مواكبة الحداثة والتقدم". فالكفاية تعني معرفة لا يمكن فصلها عن الفعل، مرتبطة بالمهارة، نابعة من معرفة عملية. وهي تعني قدرات لتحقيق مهمة بالاستعانة بأدوات أو وسائل فكرية. فالتقني أو رجل الفن يتملك كفايات مهنية. وبهذا المعنى تعني الكفاية مدى "نفعية" و"قيمة" الفرد في المجتمع المنتج. هذا المفهوم أصبح اليوم أكثر تداولا بقدر التحولات الجارية في العمل وخاصة مع إدماج تكنولوجيات المعلومات والاتصال وهي الآن تزحف على العلاقات القديمة بين المهنة والشعبة والشهائد بطريقة تقلص التقابل بين العمال بالفكر والعمال بالساعد. كل هذا جزء من الحقيقة ولكن الاستعمال المهيمن الذي يحدد دلالته الرئيسية الأساسية ونجاعته الرمزية يأخذ بعين الاعتبار البعد الاستراتيجي. ففي هذا الإطار يكمن هذا المفهوم في مبدأ الجدال أو الصراع الذي يبني ويشكل علاقات موازين القوى بين الطبقات الاجتماعية. ففي الحقل الاقتصادي والمهني إذا كان مفهوم الكفاية يأتي شيئا فشيئا لتعويض مفهوم المهارة qualification فهذا يعني أنه يأخذ بعين الاعتبار أن المهارة تشتغل في المجتمع السابق كصنف اجتماعي وبالتالي ترتبط به مجموعة من الضمانات والحقوق. فهذا الاعتراف بالمهارة هو مكافئ لتشكيل جماعي للأحكام الاجتماعية لقيمة الأفراد والعمال عن طريق "وسيط" (وفقا للدور المراد لها وهي لم تكن ولن تكون كذلك -أي وسيطا- وإنما هي في خدمة طبقة دون أخرى..) هو الدولة بواسطة نظام تربوي وتقييم "شرعي". فالمهارة المعترف بها بواسطة شهادة تعطي بهذا الشكل للدولة "المعلمة والمربية" وظيفة الضامن للقيمة الشخصية وهو ما يعطي سلطة وأحيانا كبيرة للأحكام المدرسية. فالوظيفة "الوسطية" للدولة وضعت موضع تساؤل باسم شفافية أكبر للسوق وباسم "إفراد" العلاقات الاجتماعية. فالعرف يريد أن يستعمل الكفاية كوسيلة تمكّن من التحليل الجيد لأهلية الشغل ومن المراقبة القارة لليد العاملة والهيمنة على العمل. فالكفاية ليست مثبتة بواسطة شهادة تمكن من تحسين قيمتها بصفة ثابتة ومضمونة ولكنها تبرر تقييما متواصلا في إطار علاقة غير متكافئة بين العامل والعرف. وهكذا ننتقل من نظام كانت فيه المؤسسة الاجتماعية (المدرسة) هي التي تحكم على قيمة الشخص إلى نظام أصبح التقييم فيه ينتمي بصفة مباشرة إلى لعبة السوق.
.
.
الاحد, 17 ديسمبر, 2006
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.


